الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي
229
معجم المحاسن والمساوئ
ففرح عدوّك بغمّك وحسدك أعظم من فرحه بنعمته ، فإذا تأمّلت هذا عرفت أنّك عدوّ نفسك وصديق عدوّك إذ تعاطيت ما تضرّرت به في الدنيا والآخرة وانتفع به عدوّك في الدنيا والآخرة وصرت شقيّا عند الخلق والخالق مذموما في الحال والمآل ، ثمّ لم تقتصر على تحصيل مراد عدوّك حتّى أدخلت أعظم السرور على إبليس الّذي هو من أعدى أعدائك لأنّك لم تحبّ ما أحبّه أهل الخير لأنفسهم فتكون معهم لأنّ المرء مع من أحبّ فأحبّك إبليس لذلك فكنت معه ، وقد تظافرت الأخبار عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بأنّ « المرء مع من أحبّ » وأنّك إن لم تكن عالما ولا متعلّما فكن محبّا فقد فاتك بحسدك ثواب الحبّ واللّحاق بهم وعساك تحاسد رجلا من أهل العلم وتحبّ أن يخطئ في دين اللّه وينكشف خطأه ليفتضح وتحبّ أن يعرض له ما يمنعه عن العلم والتعليم ، وأيّ إثم يزيد على هذا ؟ فليتك إذا فاتك اللّحاق بهم ، ثمّ اغتممت به فاتك الإثم وعذاب الآخرة . وقد جاء في الأحاديث « أنّ أهل الجنّة ثلاثة المحسن والمحبّ له والكافّ عنه » أي من يكفّ عنه الأذى والحسد والبغض . فانظر كيف أبعدك إبليس عن المداخل الثلاثة فقد نفذ عليك حسد إبليس وما نفذ حسدك على عدوّك بل على نفسك . فلو انكشفت حالك لك في يقظة أو منام لرأيت نفسك أيّها الحاسد في صورة من يرمي عدوّه بحجارة ليصيب بها مقلته فلا يصيبه ، بل يرجع حجره على حدقته اليمنى فيعميها ، فيزداد غضبه ثانيا فيعود إلى الرمي أشدّ من الأوّل فيرجع على عينه الأخرى فيعميها ، فيزداد غضبه فيعود ثالثة ، فيرجع على رأسه فيشجّه ، وعدوّه سالم على كلّ حال وأعدائه حوله يفرحون بما أصابه ويضحكون منه ، فهذه حال الحسود لا بل حاله أقبح لانّ الحجر المفوّت للعين إنّما يفوّت ما لو بقي لفات بالموت لا محالة ، بخلاف الإثم الحاصل للحسود فإنّه لا يفوت بالموت بل يسوقه إلى غضب اللّه وإلى النار ، فلأن تذهب عينه في الدنيا خير من أن تبقى له عين يدخل بها النار فيعميها لهبها لهيب النار ، فانظر كيف انتقام اللّه تعالى من الحاسد إذا أراد زوال النعمة عن